بورتسودان : في عيدها المئوي بلا ذاكرة !!!
بيان لأهل الشرق قاطبة وأهل بورتسودان خاصة


أهنئ نفسي وإياكم بالعيد المئوي لمدينتنا الحبيبة واسمحوا لي إخوتي ، أن أستهل التهنئة بقول أحد أبنائها عنها بهذه المناسبة حيث يقول :
هل تذكرين ياعروس البحر ؟
هل تذكرين أيام كنت تضمين إلى صدرك الحنون
أجناسا ًمن الناس بين أهلك الوادعين ؟
رهطاً من أهل الكنانة والحجاز
وآخرين من الهنود والشوام والحضارم
أمازالوا هناك في حضنك الفسيح؟
وهل ستوزعين عليهم رقاع الدعوة
لحضورعرسك البهي؟
وحفاظاً على مبدأ الملكية الفكرية التي نكثر من التشدق بالحديث عنها دون الإلتزام بالحد الأدنئ من نظمها ولوائحها ، فالأبيات مقتبسة من قصبدة لإبن الجنائن الشاعر الدكتورعبد الله محمد سليمان وهي مشاعرجيَاشة من مئويتة التي نشرت في جريدة الخرطوم في عددها 6126 بتاريخ 20/08/2006م بعنوان : ( إنحناءة لعروس البحر في مئوية الميلاد ) ولا شك أن في الأبيات تشخيص لتركيبة مجتمع بورتسودان الذي تعددت إثنياته من الداخل والخارج عملاً بمنطوق الحكمة الحضرمية القائلة : ( وطنك حيث ترزق لا حيث تولد ) فهذا التباين الإثني ساقته خطاه من كل حدب وصوب بدافع كسب الرزق ، فنتج منه التجمع فالكثافة السكانية وهو الأمر الذي إقتضى بالضرورة التعاون على بناء البنيات الأساسية للمجتمع الإنساني الموحد ؛ ولايتحقق ذلك إلا بالوحدة الفكرية المكرسة لتحقيق الهدف المنشود 0 وعلى هذا المبدأ تأسس المجتمع البورتسوداني فنتج منه التعاون والتكاتف فالمحبة والتصاهر وصولاً إلى عكس وجه السودان المشرق كنموذج مثالي للتعايش السلمي ، لأنهم حراس البوابة التي تصلهم بالخارج وتصل الخارج بهم عبر الوسائط الإقتصادية كأقوى صلة من الصلات الإنسانية الممتدة عبر القرون السحيقة منذ بدء الخليقة وصدق من قال :
الناس للناس من بدو ومن حضر*** بعض لبعض وإن لم يدركوا خدم
فلا غرو في أن يستلهم ذلك عواطف شاعرنا عنها لأنها مسقط رأسه بل هو على رأس من إنبري للدفاع عن أهل المنطقة حين دعا الداعي لذلك فأُ لبس ثوباً من التكريم وهو عبارة عن مقالة بعنوان : ( وشهد شاهد من أهلها ) سبق أن نشرت في جريدة الخرطوم في العدد 3864 بتاريخ 17/03/2005 = 12/02/ 1426 و ها هوتأبى نفسه إلا أن يعيد الكرة ثانية بكتابتة لهذه القصيدة فله منا ثوباً آخر من التكريم شكراً وتقديراً ونقول له: ( كثََر الله من أمثالك يابن الثغر البار وجزاك الله عن أهلها خير الجزاء)0 في واقع الأمرهو رفيق درب من أفضل الدروب ألا وهو درب المعرفة والتعليم ، بدءاً بحي الجنائن ومروراً بمحاريب العلم: الأميرية والأهلية المتوستطين والمنار الثانوية القومية فجامعة الخرطوم ، ثم الملتقى في مدينة الرياض دون أن تنصرم عرى الصداقة ووشائج المودة بيننا 0 ولطالما مضينا عبر دروب المعرفة بزاد نهلناه من المكتبات التي كانت تحيط بنا من كل جانب وهي المكتبات المدرسية التي كانت تلازمنا داخل الفصول هذا بالإضافة إلي مكتبة البلدية التي كانت تحتل غرفة قصية في المجلس البلدي كمكتبة عامة مع وقف التنفيذ 0 فهي وإن وصفت بالعامة فكانت تفضلها المكتبات المدرسية وأحسب إنها الآن أصبحت أثراً بعد عين0 لقد قضينا في ربوع هذه المدينة الوادعة أياماً جميلة توزعت بين تحصيل المعرفة والإستمتاع بمختلف مجالات الترفيه البرئ التي كانت تعطينا إحساساً عميقاً بتغمص الحياة الحضرية إستشعاراً بالبيئة التي كانت تحيط بنا في مدن دول الجوار رغم محدودية كثافتها السكانية حينذاك 0
أما اليوم فقد تطورت تطوراً ملموساً إذ تغيرت معالمها وتضاعفت كثافتها السكانية وازدادت إُثنيتها تنوعاً وغشيها من غشيها من مواطني الشمالية والغرب والجنوب والوسط ، وعلى وجه الخصوص الباحثون عن فرص التعليم على مختلف المستويات0 فمدرسة المنار الثانوية ذات الخمسة أنهر كانت واحدة من خمس مدارس قومية في السودان :حنتوب ووادي سيدنا وخور طقت والخرطوم الثانوية 0 فالتركيبة الطلابية المتنوعة التي إلتقينا في إطارها في مدرسة المنار فتََََََحت أذهاننا إلى حقيقة التركيبة السكانية السودانية وعلمتنا إسلوب التعارف والتعايش والتوادد واحترام الآخر، وكان ذلك ثمرة للمناهج الوطنية التي تلقيناها في المرحلتين السابقتين ، وعلى رأسها المنهج الجغرافي المتمثل في كتاب : ( سبل كسب العيش ) الذي كان يطوف بنا مختلف القري التي نتعرف فيها على أصدقائنا وسبل كسب العيش عندهم والمنتوجات التي كانوا يوفرونها 0 أما اليوم المنار الثانوية حلت محلها جامعة البحر الأحمر، وحطت رحالها بالمدينة العديد من الكليات التابعة لمختلف الجامعات الإتحادية وتلك ضرورة إقتضتها الكثافة السكانية الآخذة في الإزدياد0
وفي شهر نوفمبر من عام 2007 تشرفت بزيارة المدينة بعد غربة دامت لأكثر من عشر سنوات ، فاسترعت إنتباهي الحركة الدائبة لسكانها في مختلف الإتجاهات والمجالات 0 وقد إزداد إعجابي بالتطور والنمو الذي إكتنف المجال التعليمي وخاصة المرحلة الجامعية بعد مشاهدتي عبر الفضائية السودانية للحفل الذي أقيم في أواخر عام 2007م لتخريج أحد عشر دفعة من الخريجين الذين تخرجوا من رحم جامعة البحر الأحمر الفتية لأنني من جيل إنعتق من براثن الجهل باعجوبة وذاق الأمرين في مواصلة تعليمه ؛ حيث تقبل أبناء هذا الجيل تحدي الصعاب التي كانت تعترض سبيلهم فكان منهم من ولج أبواب الجامعات على بصيص من ضوء الفتيلة والفانوس وأسعدهم من كانت عواميد كهرباء الشوارع على مقربة من منازلهم فاستغلوها للمواظبة على المذاكرة في سبيل تحقيق تلك الرغبة الجامحة و إقتداءاً بمن سبقهم في هذا المضمار من القامات العلمية السودانية كل في مجال تخصصه وصدق من قال :
من رام عيشاً رخياً يستفيد به *** في دينه ثم في دنياه أحيانا
فـليـنـظرن إلى من فـوقـه أدباً ***ولينـظرن إلى من دونـه مــالاً
ورغم إعجابي بهذا الجانب المضئ ، أحسست بالمخاطرالتي يمكن أن تتربص بمستقبل الطلاب لأنني في تلك الزيارة ، لاحظت العديد من المصاعب التي تنتاب المكتبات المتوفرة -على قلتها- وضمور محتوياتها من المراجع وأضرب لذلك مثلاً ما أصاب مكتبة العالم الجليل أبوطاهر السواكني –رحمه الله – فهو عالم لايشق له غبار في مجال العلم الديني وله العديد من المؤلفات ومنها ماهو لا يزالت بشكله المخطوط دون أن يرى النور حتي الآن 0 فمكتبته أصبحت تركة مثقلة لأنها مازالت حبيسة الكراتين ويعلوها الغبار ومعرضة للحشرات ودابة الأرض . وذلك وضع يقدح فيما ندعيه من التوجه الحضاري والتوجه نحو التطور والتقدم لأننا لانُتبع القول بالعمل الجاد0
والمكتبات وما أدراك ما المكتبات ؟ وما ذكرت وإلإ إقترنت في ذهن السامع عدة مفردات : منها القراءة و الكتاب 0 فالمكتبة وعاء جامع للكتب بجميع أنواعها وأشكالها ، والكتاب وعاء جامع لكنوز المعرفة بتخصصاتها المختلفة ، والقراءة هي الدافع لولوج المكتبة للحصول على الكتاب و سبر غور كنوز المعرفة المكنونة في أعماقه من الجواهر واللآلئ ، (000 ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها ، وخلََدت من عجيب حكمها ، ودونت أنواع سيرها حتى شاهدنا من غاب عنا وفتحنا بها كل منغلق عليها 000 ) ولنستمع لما قل ودل من قول أحدهم :
فالمعارف أودعت في الكتب*** كاللآلئ أودعت في الصدف
ومما يحفظه الجميع عنها قول المتنبي :
أعز مكان في الدنا سرج سابح*** وخير جليس في الزمان كتاب
أما أمير الشعراء أحمد بك شوقي قال عنها :
أنا من بدل بالكتب الصحابا *** لم أجد لي وافـيـاً إلا الكتـابـا
صاحب إن عبته أو لم تعب *** ليس بالواجد للصاحب عـابـا
كلـمـا أخـلـقــته جــددـني *** وكساني من حُلِي الفضل ثيابا
فالكتاب إذن نعم الخليل ولذا أسر قلوب الكتَاب والمؤلفين والقراء لأنه حفظ لهم تراثهم العلمي والثقافي عبر مختلف الحقب والقرون فحفظوا له هذا الجميل فكافأوه بالمدح والإعتناء بشكله وتجليده وتزيين حروفه بماء الذهب وهوالآن محتفظ بمكانته على الرغم من إنه يعش في مرحلة تتوسط مرحلتين : قديمة سبقته فيها ألواح الطين واوراق البردي والمخطوطات، وتالية قفزت فوق حواجزه إلى التقنية المعلوماتية فتحول فيها شكله إلى كيان رقمي مواكبة لهذه الثورة التقنية المتسارعة التي يصعب التشبث بأهدابها0 و يتربع على عرش هذه التقنية الشبكة العنكبوتية التي قلبت الأمور رأساً على عقب فتلاشت مباني المكتبات واودعت محتويات العديد من المكتبات الجامعية الضخمة في مواقع على الإنترنت ليتمكن الباحثين من مختلف بقاع العالم من الإطلاع عليها لدرجة أنه أصبحت الفرصة متاحة لهم لتصفح المرجع صفحة صفحة و طباعة الصفحات التي يريدونها بعد دفع التكلفة عبر البطاقة الإلكترونتة0 ورغم أن هذا الحال ما زال في بداياته إلا إنه آخذ في التطور المذهل فاصبح الكتاب الآن في منزلة بين المنزلتين منزلة بدائية موغلة في القدم تستضيفها المتاحف الأثرية موثقة للتجارب العلمية للإنسان وأخرى طبقت فيها سمعة التقنيات الرقمية الآفاق وأصبحت الكتب والمكتبات أشياءاً فرضية لاتستقر على حال ولايعرف لها مكان وهو واقع لا يكاد يصدقة الكثيرون حتي الآن ، وهو أمر أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع 0 وعلى الرغم من ذلك لايزال الكتاب صامداً لتعلق الكثيرين به وعلى وجه الخصوص الذين تعداهم قطار المعرفة التقنية وهم مغمورون بالدهشة لما يرونه من أمرها الذي يعيد إلى ذاكرتهم تراث إفتح يا سمسم ومصباح علاء الدين السحري0 ولذا فهم ينتهجون إسلوب خداع النفس للنفس ويقولون : لا يهمنا من أمرها شئ وهي ليست لنا لأننا تقدم بنا العمر وإنما هي لأجيال قادمة0 فمهما يكن من أمر ليس في الإمكان أحسن مما كان ولابد مما ليس منه بد وخير الأمور الوسط و نأمل ألا نخفق في تقدير الكتاب حق قدره لتعم الفائدة المرجوة 0 وهذا ما حدا بي لطرح فكرة إنشاء مكتبة عامة تليق بكثافة بورتسودان السكانية وتعدد مؤسسات التعليم العالي فيها لتنشأ لهم مكيبة عامة تصبح معلماً بارزًا كبقية المعالم المشهورة بالمدينة وذلك عبر تكاتف القطاعين العام والخاص0 و تجدر الإشارة هنا إلي هيئة الموانئ البحرية كمؤسسة قومية لها بصمات واضحة في العديد من المشاريع التي لا يتسع المجال لذكرها في هذه العجالة0 و مما لا شك فيه لدينا كفاءات أكاديمية كافية لرعاية مشروع بناء المكتبة العامة متى ما توفر المال لتننفيذه ، فليسمح لي القارئ الكريم أن أحيي سعادة مديرها المهندس إبراهيم الأمين أحمد إسماعيل وهو يتربع على عرش هذا الصرح القومي فننتهز هذه الفرصة الثمينة ونذكر له المثل السوداني القائل : ( الزيت إن ما كف أهل البيت يحرم على الجيران ) فالمثل على بساطته ينطبق على بورتسودان لقومية تركيتها السكانية سالفة الذكر لأن خيراتها تتخطاهم إلى المركزية الإتحادية دون أن يكون للمدينة نصيباً يستر عوراتها في النقص المريع للخدمات العامة التي يستفيد منها الجميع دون أن تنسب لجهة بعينها، والمكتبة العامة إضافة جديدة ويجب أن تكون على رأس الأسبقيات الخدمية0
وإن كنت قد بدأت مقالي بالإشارة إلى الدكتور عبدالله محمد سليمان والدعم المعنوي ـ إلا إنني أستشف تحفزه إلى الإنتقال إلى مرحلة الخدمة المادية وفق إشارات غير مباشرة من خلال عموده (رؤوس أقلام ) في جريدة الخرطوم - إلا إنني لا يفوتني أن أختمه بالإشارة إلى الباشمهندس مدير الهيئة كنموذج للجانب المادي لدعم المدينة والرابط لذكرهما في هذا الموقف المسيرة التعليمية سالفة الذكر التي ضمتنا ثلاثتنا في توقيت زمني موحد ، ويقيني أن هناك عدد لا يستهان به ممن ينتمون لهذة المسيرة والذين أسميهم جيل التضحيات غادروها في طلب العلم وعادوا إليها ليحتلوا مواقع متفدمة لخدمة مواطني مدينتهم ، وهذا إن دل على شئ إنما يدل على نكران الذات 0 وبقي أن أذكر للقارئ الكريم إنني بدات المقال بإلقاء الضوء على نموذج ممن يحملون هذا الثغر المعطاء قي حدقات عيونهم وها أنا تخدمني الصدفة المحضة لأرى ما يفرح القلب ويثلج الصدرلمشاهدة العديد من رجالات جيل التضحيات وهم يشغلون مواقع متقدمة ولا أحسبهم يألون جهداً للنهوض بمدينتهم 0 وباقتراحي لهذا المشروع أضم صوتي إلى أصواتهم وأرجو أن تجد الفكرة القبول والإستحسان عند الجميع لنهب هبة رجل واحد لتحقبق هذا الحلم0
وإن أملت علََي الذكريات العطرة أن أخص بالذكرسعادة مدير الهيئة لايفوتني أن أذكر سعادة الوالي محمد طاهر إيلا وأن أوجه إليه الخطاب شخصياً وهو يقود ركب الحكومة الوطنية التي تحرص كل الحرض على تنفيذ مختلف المشاريع التنموية التي تنتظم المدينة ، ولا شك إنه لن يتأخرعما يزين وجه عاصمة ولايته0 وبالنسبة للقطاع الخاص يجب أن نشبر إلى المنظمة الطوعية التي تسمت باسمها و التي يرأسها د. سيد خليل بيومي وهي ( بورتسودان مينتي ) وهو اسم على مسمي و إختيارهم لهذا الإسم يؤكد حرصهم على رفع شأنها ولا شك إنهم لن يتأخروا في دعم هذا المشروع 0 وخلاصة القول يجب أن نتكاتف جميعاً على إقامة هذا الصرح المقترح وإيد على إيد تجدع بعيد0 فلنحذر التسويف والتقاعس عن هذا المشروع حتى لا ينطبق علبنا قول المتنبي حيث يقول :
ولم أر في عيوب الناس عيباً*** كنقص القادرين على التمام
فلنربأ بأنفسنا أن نكون من المترددين في تنفيذ هذا المشروع التعليمي المهم 0
وأدعوا الله مخلصاً أن يوفقنا ويسدد خطانا للإرتقاء بمدينتا إلى مصاف المدن الحديثة ،إنه سميع قريب مجيب الدعاء 0
ألا هل بلغت اللهم فاشهد !!!
وإلى لقاء000
محمد أحمد عبدالرحيم الحيدرابي
الرياض
سونا سابقاً