فِـي لَـيْـلَـةِ الـْمـَوْلـِدْ:الْـمَـدِيـحْ إِنْ تَـعَـذَّرَ أَنْـوَارًا بَـدَا شَـفَـقـًا

بقلم:/حامد على
Skika75@maktoob.com
في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا عبر ووقفات تستحق العظة والاعتبار،فقد كان ميلاده بداية لعهد جديد للانسانية لتؤوب الي رشدها بعد غي من السنون عاشتها البشرية منذ انقطاع الواعظ الديني يوم رفع الله المسيح اليه، فاضحت المسيحية وانجيل عيسى عدة طوائف واناجيل بعد ان كان دستورًا واحدًا لنشر الخير والفضيلة والتسامح،فساد المجتمع طغيان الرهبان واصبح الدين اداة في ايدي قلة لترهب بها الكثرة ، لابد بعد هذا التيه الذي عاشته البشرية في مجتمع يفتقر للضابط الديني والواعظ الروحي ان ينشأ فراغا يحتاج للملئ ، ويقرب الشقة التي بعدت بين الناس وربه، فكانت الرسالة المحمدية نظاما مؤسسا على موائمة كل العصور والحقب الى ان يرث الله الارض ومن عليها ، لذلك لم تكن الرسالة مدفوعة مرة واحدة اذ كانت الاوامر والنواهي ترسل على دفعات متروية متباعدة،حتى ان السور تنزل اية اية حتى اكتمل القران بين مكة والمدينة بعد نزوله المتروى سنوات.
لذلك تلمس في القران كل هذه المعاني ،المتمثلة: في حالة المجتمع لواعظ ديني(ووجدك ضالا فهدى)- التروى في نزول القران(ولاتعجل بالقران من قبل ان يقضى اليك وحيه وقل ربي زدني علما) ، (لا تحرك به لسانك لتعجل به*ان علينا جمعه وقرآنه*فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)، - موائمة الرسالة لكل العصور(وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن اكثر الناس لايعلمون).
ومن البديهي جدا،وقياسا لتاريخ الرسالات من لدن نوح عليه السلام ،من البديهي ان تواجه الرسالة الجديدة معارضة قوية من قبل المجتمع المحلي الذي خاطبته اول الامر، وكانت عبارة الاحتجاج المعروفة من كل مقاومي الرسالات حاضرة بحزافيرها،لا سيما بعد استنفاذ كل الحجج في اقناع الرسل بترك الدعوة (انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مقتدون)، وازاء هذه الحجة الواهية الخالية من اية دلالة موضوعية لانكار الدين لم يكن من بد سولى مواجهة هذا الواقع بكل سبل التغيير، لذا يامر المولى عز وجل نبيه بالسير في طريق الدعوة ونشرها بكل السبل ،فكانت الهجرة ثم الجهاد ، وهذين المبدئين من اهم مبادئ الاسلام التي اقرها لتحقيق نشر الدعوة الاسلامية واقامة دولتها التي لا تحدها حدود ، وكانت اوامر الشارع في هذين المبدئين الاساسيين واضحة لا لبس فيها، بل توعد الله سبحانه وتعالى كل من يخالف ذلك بالعذاب (ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فاؤلئك مأواهم النار وساءت مصيرا) ، (اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير*الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا).
ثم كان نتاج هذه المجاهدات ان توجت باقامة اول دولة اسلامية في مدينة الرسول(ص) سرعان ما امتدت الي الشام واليمن والفرس والروم ومصر وحتى بلاد تركب الافيال ناسها ، وقد انتظمت الدعوة الاسلامية بفضل ناشريها كل هذه البقاع ولم ينسأ عنها احد ولج دارها بل يشهد العالم يوما بعد يوم انضمام ثلة جديدة الي دين الاسلام تحقيقا لقوله سبحانه وتعالى:(اذا جاء نصر الله والفتح*ورايت الناس يدخلون في دين الله افواجا).
يعتبر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه ، اعظم شخصية مرت على البشرية ،فعلى يديه انزل الله سبحانه وتعالى دينه الاسلام وكمله(ان الدين عند الله الاسلام) ، (اليوم اكملت لكم دينكم) ،والاسلام قديم قدم البشرية( قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ، (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
ثم ان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو صاحب الشفاعة يوم القيامة ، اذ جاء في الاثر مشهد طويل عن قصة الشفاعة وكيف تكون ، اذ جاء ان الجماد يكون في حلقة دائرية تحيط بها حلقة النبات وتحيط بها حلقة الحيوان وتحيط بهذه حلقة الانسان وامامهم الانبياء صلوات الله وسلامه عليه اجمعين ثم يحيط بهذا الملائكة بحلقة كبيرة ، قيل انهم يقفون خمسين الف سنة دون حساب ، وعندما يطيل الوقوف بالناس يسألون سيدنا جبريل عن ميقات الحساب، قيل ان جبريل يسكت خمسين الف سنة ثم يجيبهم انه لا يعلم ، ثم يطلبون من الانبياء انيدعوا لهم الله عز وجل ان يحاسبهم ، قيل ان كل الانبياء يتعذرون كل بعذره ،ثم يطلبون من الرسول صلى الله عليه وسلم ان يدعوا لهم الله عزوجل ان يحاسبهم ، قيل ان الرسول صلى الله عليه وسلم يسجد سجدة طويلة يدعوا فيها الله دعاءًا كثيرا ثم يستجيب الله لدعوته فيحاسب الناس والدواب ...وللشفاعة تفاسير اخرى كثيرة وقد وردت في القران اكثر من مرة.
هذا وقد امر الله سبحانه وتعالى بطاعته وربط طاعته لنا بطاعة رسوله كما ربط حبه بحب رسوله(قل اطيعوا الله واطيعوا الرسول )، (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، ثم ان الله سبحانه وتعالى مدحه(وانك لعلى خلق عظيم) ، (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين )، ومن هذا المدخل اصبحت طاعة الرسول ومن ثم حبه فرض على كل مسلم ومسلمة ، قال الشاعر:
حبه فرض وما الحب ادعاء
انما نهج اتباع والتزام
ومن هذه الزاوية تبارى شعراء المديح من ائمتنا الصوفية يعبرون عن حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن حبهم لموطنه الثاني – مدينته – المحببة الى نفوس جميعنا والقبة الخضراء حيث قبره ومسجده،ثم تذكُّر سيرته وسيرة اصحابه رضوان الله عليهم اجمعين ، فكانت مدائح الشيوخ سيرة عطرة تقدم اخلاق النبي ومجاهداته وصبره وسيرة اصحابه ووفاءهم وحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، تقدم كل هذا في قالب اناشيدي يلج العقول ويسلب الالباب، فيتفاعلون معه ويتفاءلون به كلما هزت اركانهم النائبات ، ويستعيدون ذكره كلما لاحت مناسبة دينية كمولده صلى الله عليه وسلم وليلة اسرائه وهلول عام هجرته و هلول اهلة العيدين .
ومن خلال هذه الزاوية نقف مع شعراء وفنانين سودانيين وظفوا بعض اشعارهم واغانيهم للمديح النبوي رغم انه لم يعرف عنهم انتمائهم للطرق الصوفية بقدر انتمائهم للسودان فقط ، وهذا يدل على طبع الشعب السوداني الصوفي وتأثره بهم رغم محاولات السلفيين لابعادهم عن ذلك النهج،والحكمة في ذلك ان الصوفية هم من نشروا الاسلام في السودان وروحهم السمحة في طريقة الدعوة وابتعادهم عن الغلو في الدين الذي هو ممنوع بدستور الاسلام(لا تغلوا في دينكم)، في المقابل يدعوا الاسلام الي التسامح والمعاملة،بل ذهب الاسلام الى اكثر من ذلك حيث يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه(الدين المعاملة)،وهذا مبدأ موطّن في الاسلام.
من الشعراء الذين مدحوا الرسول(ص) في اشعارهم الشاعر/ محمد المكي ابراهيم احد رواد مدرسة الغابة والصحراء ،يصف مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ،مخاطبا صاحب المدينة في عوالمه،مادحا محيا رسول الله في اريج مدينته:
مدينتك الهُدى والنور
مدينتك القباب ودمعة التقوى ووجه النور
وتسبيح الملائك في ذؤابات النخيل وفي الحصى المنثور
مدينتك الحقيقة والسلام على السجوف حمامة وعلى الرُبى عصفور.
مدينتك الحديقة يا رسول الله وكل حدائق الدنيا أقل وسامة وحضور
هنالك للهواء أريجه النبوي موصولاً بأنفاس السماء وكأسها الكافور
هنالك للثرى طيبٌ بدمع العاشقين ولؤلؤٌ منثور
هنالك للضحى حجلٌ بأسوار البقيع وخفةٌ وحبور
هنالك للصلاة رياضها الفيحاء والقرآن فجرياً تضيء به لهىً وصدور
بساعات الإجابة تحفل الدنيا وأنهار الدعاء تمور.
سلام الله يا أنحاء يثرب يا قصيدة حبنا العصماء
سلام الله يا أبوابها وبيتها ونخلها اللَّفـاء
سلاما يا مآذنها وفوج حمامها البكَّاء
ويا جبل الشهادة والبقيع سلام
وقد ندر ان تخلو قصيدة من قصائد المديح النبوي من وصف قبره صلى الله عليه وسلم،بل أُختُزلت المدينة في بعض القصائد في قبة قبره،لذا يتكرر لفظ القبة الخضراء في كثير من قصائد المديح النبوي،وقد استلهم كثير من شيوخ الصوفية لون القباب الاخضر بقبة قبره صلى الله عليه وسلم.
على أثل الحجاز وضاله،
وعلى خزاماها تهب قصيدة الصحراء .
إلى تلك البساتين المعرجة الجداول والقباب الخضر،
يهفو خاطر الدنيا ،وتحدى العيس في الصحراء
مدائح لم تقل لبني الزمان ترددت عبر القرون ليثرب الخضراء.
ولان شعراء بلادي مهما اختلفوا في الرأي يلتقون في المواقف،فقد لا يمنع بلبل السودان المغرد مصطفى محمد سند ان يشاطر ود المكي في قصيدته "مدينتك الهدى والنور" بواحد من اقيم اعماله الا وهي "القصيدة النورية"- لا حظ تكرار لفظة (النور) في القصيدتين رغم اختلاف الشاعرين في المدارس - ،التي ابدع فيها وصفا وتالق فيها جمالا.
محمد أنت وحي الله صوره
وشق من فيضه الاصباح و الفلقا
قد جل قدرك قدرا بل زها شرفا
وطاب ذكرك فوق الذكر و انعتقا
فكن شفيعي اذا ما الذنب ارهقني
يوم السؤال و خطوي زل و انزلقا
ثم يعرج سند لوصف حال المحبيبن للمصطفي صلى الله عليه وسلم،ذلك بوصف حاله هو،وهي صورة قلمية تنبئ عن حب مأصل لدى المتصوفة،تصل لدرجة الدرويش وهي لفظة مبذولة لا مبتذلة عند المتصوفة.
ياجوهر الخلق في الازمان منعتقا
قلبي يذوب فهل يلقاك منعتقا
لو أنه فاز بالرؤيا وعانقها
للمحة لانمحى في ذاك و احترقا
مازال حب رسول الله يلهمه
ضربا من القول يفنيه اذا نطقا
شعراً تُرفرف عبر الكون أنجمه
فان تعذر انوارا بدا شفقا
ونحن نعالج مسألة المديح عند شعراء الادب والفنانين لابد ان نقف عند شيخ شعراء السودان الاستاذ/محمد المهدي المجذوب،سليل الطاهر المجذوب ،وقد اشتهر عنه قرض الشعر بكل انواعه والمديح على السواء،ومن بين قصائد مديحه الكثيرة اشتهرت عنه قصيدة "ليلة المولد" وهي قصيدة تصور مظاهر احتفالات مولد النبي في السودان اكثر من كونها قصيدة مديح.
ليلة المولد سر الليالى والجمال
وربيعا فتن الانفس بالسحر الحلال
موطنى المسلم فى ظلك مشبوب الخيال
طاف بالصارى الذى أثمر عنقود السنى كالثريا
ونضا عن فتنة الحسن الحجابا
ومضى يخرجه زيا فزيا
وزها "ميدان عبد المنعم"
ذلك الحسن حياه الغمام
بجموع تلتقى فى موسم
والخيام قد تبرجن وأعلن الهيام
ثم يتجه المجذوب مباشرة بعد هذه المقدمة الوصفية لوصف المداح والمديح في مشاهد حية ينقلها عبر صورة قلمية آسرة ، فهذا
* مشهد اول:
وهنا حلقة شيخ يرجحن
يضرب النوبة ضربا فتئن وترن
ثم ترقص هديرا أو تجن
وحواليها طبول صارخات فى الغبار
حولها الحلقة ماجت فى مدار
نقزت ملء الليالى، تحت رايات طوال
كسفين ذى سوار، فى عباب كالجبال
*مشهد ثاني:
وعلا صوت صدى الطبل الكرير
كل جسم جدول فيه خرير
ومشى فى حلقة الذكر فتور
لحظة يذهل فيها الجسم والروح تنير
وعيون الشيخ أغمضن على كون به حلم كبير
*مشهد ثالث:
وينادى منشد شيخا هو التمساح
يحمى عرشه المضفور من موج الدميرة
ندبوه للملمات الخطيرة
شاعر أوحى له شيخ الطريقة
زاهد قد جعل الزهد غِنى
فله من رقع الجبة الوانا حديقه
والعصا فى غربة الدنيا رفيقه
وله من سبحة اللالوب عقد
ومن الحيران جند
وله طاقية ذات قرون
نهضت فوق جبين واسع
*مشهد رابع:
وفتى فى حلبة الطار تثنى وتأنى
وبيمناه عصاه تتحنى
لعبا حركة المداح غنى
راجع الخطوة بطار
رجّع الشوق وحنّا
وحواليه المحبون يشيلون صلاة وسلاما
ويذوبون هياما
ويهزون العصيا
ويصيحون به أبشر
لقد نلت المراما
*مشهد خامس:
وفتاة لونها الأسمر من ظل الحجاب
تتهادى فى شباب وارتياب
قد تحييك وتدعوك بأطراف الثياب
وهى قيد وانطلاق واضطراب واتساق
إن نأت عنا وأخفتها الديار
فعروس المولد الحلوة جلاها التجار
لبست الوانها شتى أميره
ما أحيلاها صعيره
وقفت فى كرنفال
فوق عرش دونه الحلوى كنوز ولآلئ
من اساطير الخيال
*مشهد سادس:
لهفتا كم عصف البؤس بأطفال صغار
وردوا المولد بالشوق وعادوا بالغبار
وبعد، هذا ليس كل ما تغنوا به شعراء السودان من مديح،بل انها نماذج تصلح ان تكون مقدمة لطرق هذا الجانب من الادب ، ونفض غبار النسيان من عتباته،وكما الشعراء فثمة فنانين مدحوا المصطفي باكثر من قصيدة،وياتي على راس هؤلاء الاستاذ عبدالعزيز محمد داؤود فقد صدح باكثر من عشر قصائد تاتي في مقدمتها رائعة ابن الفارض المسمى "انتم"، والاستاذ عبدالكريم الكابلي وصلاح بن البادية واسماعيل حسب الدائم ومحمدوردي ، كما صدح امير العود حسن عطية برائعة عبدالرحيم البرعي اليماني "يا الله" التي يقول فيها:
ياربِّ صلِّ على النبيِّ المجتبى**ما غردتْ في الأيكِ ساجعة ُ الربا
ياربِّ صلِّ على النبي وآلهِ**ما اهتزتِ الأثلاثُ منْ نفسِ الصبا
ياربِّ صلِّ على النبي وآلهِ**ما لاح برقٌ في الأباطحَ أو خبا
ياربِّ صلِّ على النبي وآلهِ**ما أمتْ الزوارُ نحوكَ يثربا
ياربِّ صلِّ على النبي وآلهِ**ما قال ذو كرمٍ لضيفٍ مرحبا
ياربِّ صلِّ على النبي وآلهِ**ما كوكبٌ في الجو قابلَ كوكبا
يارب صلِّ على الذي أدنيته**منْ قابَ قوسينِ الجنابَ الأقربا
وقفة:
اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم في العالمين انك حميد مجيد.


حَرَامْ عَلِيكُم ْ..أَلاَ تَعْرِفُونَ الْحَرَامْ؟!

بقلم:/ حامد على
Skika75@maktoob.com

(1)2011:ربيع العام وشتاءه

"ان الطريق مظلم وحالك، فاذا لم تحترق انت ولم احترق انا ، فكيف يخرج من الظلمات نور؟"-ارنستو تجي جيفارا

رغم معرفتنا الموقورة في اذهاننا والموافقة لقانون للطبيعة،بان الربيع يعقب الشتاء وليس العكس،فقد شهد العام المنصرم ظاهرة تنافي قانون الطبيعة هذا،اذ بدأ بالربيع وختم بالشتاء،فقد لبت جماهير تونس نداء الشابي يوم اشعل البوعزيزي النار في نفسه،فـ(اشعل التاريخ نارًا واشتعل)،ثم هبت رياح الربيع شطر مصر ثم ليبيا فاليمن وسوريا،وقد رأينا كيف تساقط الرؤساء الواحد تلو الاخر كاوراق الصنوبر في الشتاء في صورة دراماتيكية.
فمن كان يجرؤ ان يقول "تلت التلاتة كم؟" لعمر سليمان ذلك الرجل الذي الّفت حوله الاساطير،ومن يجرؤ ان يألف عنه مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" باسم "الرجل الواقف وراء عمر سليمان" ويبلغ عدد اعضاء هذه المجموعة الثلاثة آلاف مشترك في ظرف ثلاث ساعات؟!،وقبله رأينا الشيخ احمد الحفناوي يتحسر لزوال حكم بن على المتأخر وهو يقول والغصة في حلقه:"فرصتكم ايها الشباب التونسي تستطيعون ان تقدموا الي تونس مالم نقدم لها نحن،لاننا هرمنا من اجل انتظار هذه اللحظة التاريخية"،ثم خرج الينا القذافي مزمجرًا من على شرفة باب العزيزية وهو يتوعد ثوار ليبيا بالتطهير قائلا:"من الصحراء الي الصحراء، سنزحف انا والملايين ونطهر ليبيا ،شبر شبر..بيت بيت..دار دار..زنقة زنقة..فرد فرد"، وتمر الساعات والايام والشهور والثوار قابضون على زناد الثورة حتى قبضوا عليه في احدى العبّارات الانبوبية قرب مدينة سرت متخفيا، ولن تغيب عن الاذهان صورته وهو ملطخ بالدماء بعدما اوسعوه الثوار ضربا وركلا ولطما وهو يسترحمهم بصوت اجش قائلا:"حرام عليكم..حرام عليكم..ألا تعرفون الحرام؟!"، وبين يوم باب العزيزية ويوم انبوبة سرت تنهض حكمة ماثورة تقول:"يمهمل ولا يهمل".
ثم خرج علينا على صالح يوما وقد اصبح وجهه مثل رماد الماء كأنه تقدم مئة عام على عمره او يزيد بين ليلة وضحاها ذلك بفعل قنبلة استهدفته هو واعوانه في المسجد، ثم لما استعاد بعض نضارة وجهه لم يعتبر بعد ، فيمايطل في الرحيل ، ولكن لم يرتقي في سلم الحماقة الي درجة صنوه الاسد الذي يقتل في صمت دون عبرة ممن سبقه.
بقدر فرحتنا بالربيع العربي رغم جفاءه البائن لنا- من غير ذنب واسباب- ،ورغم غبطتنا للشعوب التى تحررت من قبضة الشموليات ،وابتهالنا لمن يقبضون جمر الكفاح بالنصر المبين،رغم كل هذا الفرح فقد فجعنا في عام الرمادة بوفاة افذاذ من الفن والادب امثال زيدان ابراهيم/الامين عبدالغفار/ انيس منصور/ كمال الشناوي /عمر الحريري /ابراهيم اصلان ،نسأل الله ان يتغمدهم برحمته الواسعة.

(2)الاستقلال:الرقص على الاشلاء

"مما يسليني احيانا حين اضيق بمآلات الاستقلال وفجيعة الناس فيه،استدراكي انني لقيته قالبا الهوبة معلقا بين السماء والارض"-الدكتور/عبدالله على ابراهيم

يحتفل العالم كل عام بعام جديد ونحن نحتفل بالاستقلال ، وهذه محنة من محن السودانيين ، واعني الاحتفال بالهزيمة ، فقد الّف شاعر كبير قصيدة عصماء في مدح الاستقلال ورجالاته منذ فجر المهدية الي رفع العلم ، وقد وردت في هذه القصيدة ابيات تمجد كرري ، تلك المعركة الفاصلة في تاريخ المهدية فقال الشاعر- لافض فوه- "كرري تحدث عن رجال كالاسود الضارية/خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية/ما لان فرسان لنا/بل فرّ جمع الطاغية"، اقرأ هذه الابيات التي تردد لنا كثيرا في ايام الاستقلال ثم اعرضها على التاريخ فلا ارى غير البهتان، اذ كيف يستقيم ان نصف من ماتوا مهزومين بالانتصار ممهدين لاولى خطوات الاستعمار عام 1898م ، وكما جاء في كتاب عصمت زلفو عن كرري ، فقد خالف الخليفة التعايشي خطة عثمان دقنة واصر على رايه آخذا بنصيحة احد جواسيس الانجليز الذي قال انه راى المهدي في المنام وقال له اهجموا عليهم نهارًا ، وفي ذلك المجلس قال ابراهيم الخليل قولته المشهودة:( الخير فيما اختاره الله الا نصرة مافي)، وماحدث بعد ذلك معروف..
اما الاستقلال فقد اضحى اسغفالا واستغلالا ،ومن ثم وجب على شاعر القصيدة تعديلها لتكون بدلا عن "اليوم نرفع راية استقلالنا" استغفالنا/استغلالنا،اذ لم تمر على رفع العلم سنة حتى اعدم اباء الاستقلال عشرون عاملا من عمال القطن بقرية جودة بولاية النيل الابيض ، ذلك بحبسهم في مخزن للجماكسين لا توجد به فتحة واحدة للتهوية ، وقد اشتهرت هذه الحادثة بحادثة "عنبر جودة"،اذ كتب عنها صلاح احمد ابراهيم قصيدته العصماء "عشرون دستة" التي يقول فيها:" لو أنَّهُم فراخ /تصنع من اوراكها الحساء/لنُزلاءالفندق الكبير/لوُضعوا في قفص لا يمنعُ الهواء/وقُدم الحب لهم والماء/لو أنهم../ما تركوا ظماء/ما تركوا يصادمون بعضهم لنفس الهواء/وهم يُجرجرون فوق جثث الصحاب/الخطوة العشواء/والعرق المنتن والصراخ والاعياء/..../لكنهم رعاع/نعم رعاع!" ولم يقف الاستغلال والاستغفال عند هذا الحد،فادلجت الخدمة المدنية،واصبحت المحسوبية هي القاعدة وماعداها الشواذ،وارتفعت روح العنصرية والجهوية،ونُكل بالمعارضين،فاعدم قادة الفكر والرأي والراي الاخر،فكان ان اعدم عبدالخالق محجوب/الشفيع احمد الشيخ/جوزيف قرنق/محمود محمد طه/صلاح الدين كرار/محمد عبدالسلام ووو وبقية العقد النضيد،ثم قُتل الوطن يوم شطر جنوبه عن شماله،في وضع مثل هذا الا يجوز لنا ان صف من يرقصون لانغام اناشيد الاستقلال بالراقصين على اشلاء الوطن؟!.

عودة إلى الصحفة الأولى